الغزالي

29

إحياء علوم الدين

وكذا فقلت لي أهلك وعيالك فأطعتك ورجعت ؟ والله لأعرضنك اليوم على الله أخذك أو تركك . فقلت لأرمقنه اليوم ، فرمقته ، فحمل الناس على عدوهم فكان في أوائلهم . ثم إن العدو حمل على الناس فانكشفوا ، فكان في موضعه حتى انكشفوا مرات ، وهو ثابت يقاتل فوالله ما زال ذاك دأبه حتى رأيته صريعا . فعددت به وبدابته ستين أو أكثر من ستين طعنة . وقد ذكرنا حديث أبي طلحة لما اشتغل قلبه في الصلاة بطائر في حائطه فتصدق بالحائط كفارة لذلك . وأن عمر كان يضرب قدميه بالدرة كل ليلة ويقول . ما ذا عملت اليوم وعن مجمع أنه رفع رأسه إلى السطح ، فوقع بصره على امرأة ، فجعل على نفسه أن لا يرفع رأسه إلى السماء ما دام في الدنيا . وكان الأحنف بن قيس لا يفارقه المصباح بالليل ، فكان يضع إصبعه عليه ويقول لنفسه . ما حملك على أن صنعت يوم كذا كذا ؟ وأنكر وهيب بن الورد شيئا على نفسه ، فنتف شعرات على صدره حتى عظم ألمه ، ثم جعل يقول لنفسه . ويحك ، إنما أريد بك الخير . ورأى محمد بن بشر داود الطائي وهو يأكل عند إفطاره خبزا بغير ملح ، فقال له : لو أكلته بملح ؟ فقال : إن نفسي لتدعوني إلى الملح منذ سنة ، ولا ذاق داود ملحا ما دام في الدنيا فهكذا كانت عقوبة أولى الحزم لأنفسهم . والعجب أنك تعاقب عبدك ، وأمتك ، وأهلك ، وولدك ، على ما يصدر منهم من سوء خلق وتقصير في أمر ، وتخاف أنك لو تجاوزت عنهم لخرج أمرهم عن الاختيار وبغوا عليك ، ثم تهمل نفسك وهي أعظم عدو لك ، وأشد طغيانا عليك ، وضررك من طغيانها أعظم من ضررك من طغيان أهلك ، فإن غايتهم أن يشوشوا عليك معيشة الدنيا ، ولو عقلت لعلمت أن العيش عيش الآخرة ، وأن فيه النعيم المقيم الذي لا آخر له . ونفسك هي التي تنغص عليك عيش الآخرة ، فهي بالمعاقبة أولى من غيرها المرابطة الخامسة المجاهدة وهو أنه إذا حاسب نفسه فرآها قد قارفت معصية ، فينبغي أن يعاقبها بالعقوبات التي مضت وإن رآها تتوانى بحكم الكسل في شيء من الفضائل أو ورد من الأوراد ،